Overblog Suivre ce blog
Administration Créer mon blog

Présentation

Profil

  • Les Passeurs D'Arts

رواد بلادي

ghjkll
04.jpg15.jpg
11838 1186548503055 1208572190 30447741 3396819 n

11838 1186538902815 1208572190 30447719 1811296 nmail.google.comkkkkkkkkiu.jpg
11838 1186528982567 1208572190 30447701 6613573 ngenoun.jpg20
11838_1186537062769_1208572190_30447714_2985433_n.jpg

koiuou.jpg

Recherche

رواد بلادي

bouchaib el bedaoui en compagnie du grand violonniste marec
48020139zn1
houcineslaoui
rwicha mohamed
DSC-0413

رواد بلادي

eeeeeeeeeeee.jpgkkkkkk
jjjjjjjj
homme faisant discours
ggggggg
oo.jpg

Pages

Texte Libre

JJJJJJJ.jpegMM.jpgFFFFFF.jpgDDDDD.jpgHHH.jpgJJJJJ.jpg

Texte Libre

04Casa - Chanteurs marocains 86-1
3 mars 2011 4 03 /03 /mars /2011 22:23

...n1288347908_30114063_8047.jpg

مبدع   " بلادي يازين البلدان

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بدا شابا يافعا كمذيع ذي صوت دافئ باذاعة مراكش الجهوية بداية الثمانينات من القرن الماضي ..قبل ان يلتحق بمحطة ميدي ان

 بطنجة ..حيث تعرفنا عليه وهو شعلة من النشاط الاعلامي والفني حيث كان وموازاة مع مهنته الصحفية كمذيع يكتب كلمات اغنيات جميلة ..اطربتنا ولازلنا نتغنى بها..حيث لحن من كلماته عبد الرحمن الكردودي اغنية  اذا مقدر لي نعشق ...كما تغنى محسن جمال بكلماته منخلال قطعة جميلة وهي احلام الصيف ...لكن تظل" بلادي يازين البلدان "التي لحنها واداها نعمان لحلو من بين اشهر ما كتب هذا الشاعر الغنائي  نظرا لقوة كلماتها التي جاءت ملحنة في الاصل لانها غاية في العفوية والانسيابية وعدم التكلف ..وهذا سر نجاح كلمات هذا الرجل...

الا انه مقابل هذا الابداع المتميز في الكتابة نجد ان هناك تقصيرا اعلاميا في حق هذا المبدع المتميز للاسف ..واكاد اجزم ان لا احد يعرف انه هو كاتب كلمات هذه الاغاني ..

واخيرا تتبعت حلقة من برنامج " في البال اغنية " خصصت لقطعته" بلادي يازين البلدان "التي لحنها نعمان ..وانتظرت ان يقلص هذا الاخير من حجم الغبن الذي يحس به كاتبها بسبب النسيان الذي يطال غالبا كتاب الكلمات ..ففوجئت انه لم  تتم الاشارة اليه في حين كان على البرنامج ان يورد شهادة منه كطرف اساسي في بناء هذه الاغنية ..وبما انه لم يتيسر ذلك لكونه يوجد في روما ..كان على صاحب الاغنية ان يتحدث عنه باسهاب وينصفه ويبرز اهمية الكلمات في نجاح هذه الاغنية والتي اكد احد المتدخلين انه حتى وان قدمت  في قالب قصيدة للملحون لحالفها النجاح ...وهذا دليل على اهمية الكلمات بل  اؤكد انه حتى عندما  تقرا كلماتها تحس انها كلمات منسوجة   مرصعة بشكل منسجم وبايقاع يترك جرسا لدى المستمع..

اتمنى تدارك هذا التقصير في حق كتاب الكلمات للاغاني ..الذين هم اول من يضع اللبنة الاولى في صرح الاغنية ..ثم يطاله النسيان من طرف اقرب طرف  منه..وهو الفنان الذي يتعامل  معه..ناهيك عن المذيعين  ومنشطي البرامج الذين قلما يذكروا  الكاتب واحيانا حتى الملحنون يلقون نفس المصير

الاغنية فيها ثلاثة اطراف يساهمون في انتاجها لذلك يجب ان يحظى كل طرف  بالاهتمام والتشجيع حتى يبدع اكثر ونحفزه على العطاء

190414 1669679501617 1226229916 31648969 1423510 n

 

 

بقلم : الأستاذ محمد الإشراقي

Repost 0
Published by Les Passeurs D'Arts - dans الأستاذ محمد الصقلي
commenter cet article
14 mars 2010 7 14 /03 /mars /2010 20:13

يوسف سلامة
عازف قانون وملحن
1903/1970

hggg.jpg

ddffdf

 

لقد كان بالإمكان أن أقتصر هنا على تقديم ملامح من الشخصية الفنية ليوسف سلامة، لكنني بعد إمعان النظر في الموضوع ومن خلال ملاحقة المعلومات الشحيحة جدا حول هذا الفنان تولدت لدي قناعة بأن الحديث عن هذا العازف والملحن قد يكون مبتورا ما لم يتم وضعه في إطار المناخ العام الذي كان سائدا في تونس فينهاية العشرينات ومطلع الثلاثينات، كذلك لا يمكن التعامل مع المكانة الفنية التي كان يحظى بها إلا في ضوء هذه العلاقة.
بداية يمكن القول أنه من المرجح في اعتقادي أن يكون يوسف سلامة وقبله والده مريدخ المحطة الرئيسية في تاريخ انتقال آلة القانون إلى المغرب العربي بدخولها إلى تونس ثم الجزائر فالمغرب، وهذا يحيلنا إلى أهمية هذه الآلة الشرقية الموغلة في القدم والتي يتراوح نشوؤها في بلاد آشور ما بين القرن التاسع إلى القرن الرابع عشر قبل الميلاد، فيما تعزو بعض المصادر اختراعها إلى الفيلسوف العربي الفارابي، كما يحيلنا ذلك بالتالي إلى مدى تأثير القانون في منظومة الآلات الشرقية والمساحات المخصصة له في خارطة وضع الألحان، وهو ما يحتاج لا محالة لمبحث على حدة ليس هنا مجاله على كل حال. غير أن أهمية الرجلين معا الفنان يوسف ووالده مريدخ لا يمكن تجاهلها أو القفز عليها، ولإعطاء فكرة عن هذا الأخير، فإليه يرجع الفضل في ترسيخ تقليد العزف على القانون في تونس، وللتدليل على مكانته وعلو كعبه في هذا الباب، فقد اختاره الموسيقار المصري
ddffdfالمعروف الشيخ سلامة حجازي أحد أعلام الموسيقى العربية والمسرح الغنائي خلال زيارته لتونس سنة 1914 للمشاركة كعازف قانون ضمن جوقته الخاصة التي أحيى بها حفلات بالمناسبة.
لقد ظلت حفلات الثلاثاء في بلاط " الباي" حتى سنوات ما قبل الاستقلال تمثل تقليدا متبعا، من حيث هي ملتقى لصفوة من فناني وعازفي تلك المرحلة، وإن كان غالبا ما يتم ذلك في إطار "البريستيج" الذي تقتضيه مكانة الحاكم. بالمقابل كانت تونس العاصمة تعيش في هذه الفترة تحديدا إرهاصا موسيقيا حقيقيا كان العنصر الرئيسي الذي مهد له وأذكى جذوته هو "البارون ديرلانجي" (1)الذي كان قصره محفلا التأمت في كمفه كوكبة من القامات الفنية التي يستوجب كل منها على حدة وقفة خاصة مما لا يتسع له المقام هنا، غير أن ذلك لا يمنع من إعطاء فكرة مقتضبة عن البعض منهم وفي مقدمتهم بالطبع البارون رودولف.
ddffdfرجل أقل ما يقال عنه أنه أسدى خدمة جليلة للموسيقى التونسية والعربية، لأن جهوده على أكثر من واجهة كانت بالفعل عملا تأسيسيا بكل الدلالات حيث أنفق ما لا يقل عن ربع قرن لبلوغ هذه الغاية. فبعد أن أستكمل بناء قصره (2) في منطقة "سيدي بوسعيد" جعله قبلة لمشايخ الطرب بكل ألوان طيفه وللأساتذة والباحثين والمهتمين، بالقدر الذب تحول معه إلى ورشة عمل لتبادل الخبرات واستكمال التكوين وتعميق المعارف. وبموازاة ذلك أسس جوقة موسيقية اختار لها أكبر الكفاءات وأقدرها في تونس على الإطلاق.
hhhhوفي هذه الأجواء تفرغ لولعه بالموسيقى العربية عموما ولتطبيقاتها في تونس، منهمكا في التنقيب والبحث والتحقيق وهو الجهد الذي أثمر مصنفا من ستة أجزاء ، ساعده على وضعه وتحرير مادته السيد المنوبي السنوسي (3) الذي تولى بعد وفاة البارون عام 1932 إتمام الجزء السادس من هذه المؤلف الضخم. وكان المنوبي من أهم منظمي المؤتمر الأول للموسيقى العربية بالقاهرة في نفس العام.
هنا لابد من الإشارة إلى أن أهم خاصية كانت تجمع بين عناصر هذه النخبة الفنية أنهم كانوا يلتقون في مناخ يسوده الوفاق والتسامح لا فرق بين المسلم واليهودي والمسيحي، بينما اللحمة التي كانت توحد بينهم هي عشقهم وولاؤهم للفن والموسيقى.
hhhhومن بين أهم وجوه هذه النخبة بالخصوص الشيخ أحمد الوافي (1850/1921) الذي جلبه البارون ديرلانجي للاستعانة به في وضع مؤلفه الموسيقي. وهو ليس فقط مجرد عازف ماهر على آلة الفحل، بل يعتبر أكبر وأهم مراجع فن المألوف، وتذكر العديد من المصادر أنه أبرز من قام بتأصيل وتقعيد الموسيقى في تونس، وهو ما تأتى له بفضل سعة اطلاعه ومحفوظاته من المألوف والموشحات، إضافة إلى إلمامه العميق بالموسيقى الشرقية قي مصر وسوريا فضلا عن الموسيقى التركية. ولا يمكن أن يذكر أحمد الوافي دون الإشارة إلى أستاذه عازف الرباب اليهودي "ابريهم التبسي" الذي يقول في شأنه الموسيقار محمد التريكي (4) "كان يوجد ضمن الجالية اليهودية في ذلك العصر عمالقة في الفن الموسيقي التونسي أمثال "ابرهيم التبسي" الذي تتلمذ عليه كثير من اليهود والمسلمين وكان حافظا لجل نوبات المألوف عن ظهر قلب زيادة على ماكان يحفظه من الأغاني الشعبية".
عازف الناي الشهير، الموسيقي علي الدرويش الحلبي (5) الذي استقدمه ديرلانجي عام 1930 لمساعدة المنوبي السنوسي في كتابة مواد الموسوعة الموسيقية التي كان البارون يشتغل عليها. هذا إضافة إضافة إلى أستاذ الجيل "خميس ترنان". (6)
yuytعموما كانت مجموعة ديرلانجي الحجر الأساس الذي ستقوم عليه فيما بعد أي عام 1934 جمعية الرشيدية التي أسسها الأستاذ مصطفى صفر والتي ستكون نقطة تحول مفصلية في مسار الموسيقى وفن الغناء في تونس.
وتجدر الإشارة هنا إلى الفنان "مريدخ سلامة" الملحن العصامي وأستاذ آلة القانون والموسيقى الشرقية، الذي وقع عليه اختيار البارون رودولف للعمل ضمن أطر تشكيلته الموسيقية. ولإعطاء فكرة عن هذا الفنان، فقد كان مريدخ هو الذي رسخ تقليد العزف على القانون في تونس، كما اختاره الموسيقار المعروف الشيخ سلامة حجازي أحد أعلام الموسيقى العربية والمسرح الغنائي خلال زيارته لتونس سنة 1914 للمشاركة كعازف قانون ضمن جوقته الخاصة التي أحيى بها حفلات بالمناسبة.
yuytمن هنا نجد أن يوسف سلامة لم يكن غريبا على هذه الأجواء، فقد ورث حب الموسيقى والمغنى وتعلم أصول العزف على القانون عن والده مريدخ. وبالتالي ففي ظل هذه الأجواء المؤثثة بالفن والإبداع، بدأ نجم يوسف سلامة في التألق مع مطلع الثلاثينات بشكل لفت إليه الأنظار، حيث أثبت باعه الطويل ولم لا إبداعه ، إذ سرعان ما اكتسب مكانة مرموقة لدى الأوساط الثقافية والفنية ومحبي الموسيقى بشكل خاص، ثم ما لبث أن صار محط تقدير واعتبار كعازف كمبرز لآلة القانون ضمن الفرقة الموسيقية التي كانت تتردد على بلاط "حسين باي" في سيدي يوسعيد في تونس العاصمة.
n1288347908 30114062 2299يوسف سلامة الذي فارق الحياة في باريس، هو من مواليد تونس العاصمة، كان من حيث براعته وحذقه في العزف، لدرجة اعتبر معها مرجعا في مادته، ليس هذا فحسب، بل كان البعض يرون في ألحانه جسرا بين طرب المألوف التونسي وبين الموسيقى الشرقية المقصود بها تحديدا الموسيقى المصرية.
في فترة الخمسينات صار يوسف سلامة معلمة في المشهد الموسيقي بتونس من خلال السهرات والحفلات التي كان يحتضنها المسرح البلدي، ومما يعطي الدليل على المكانة التي يتبوؤها هذا الفنان، كان كبار نجوم الأغنية التونسية يومئذ مثل الفنان علي الرياحي، المطربة فتحية خيري، شافية رشدي، وكذلك الفنانون القادمون من مصر، كانوا يصرون على إشراكه ضمن العازفين في أجواقهم، تماما كما لو يتعلق الأمر بما كان عليه الفنان محمد القصبجي في الفرقة الموسيقية لأم كلثوم، أو قبل ذلك عازف العود محمد العقاد أوعازف الكمان الشهير سامي الشوا.
ــــــــــــــــ
(1)
البارون درلنجي رودولف:(1866/1932) واضع التآليف الشهيرة في أصول الموسيقى العربية. فنان أرستقراطي من أصل ألماني ولد بلندن وعاش بتونس منذ مطلع القرن وعاش بها حتى وفاته.
(2)
تحوَّل اسمه منذ عام 1992 إلى قصر النجمة الزهراء، كمركز للموسيقى العربية والمتوسطية ومتحف للآلات الموسيقية التراثية.
(3)
المنوبي السنوسي: فنان وأديب تونسي، باحث في أصول الموسيقى والطرب. ولد في سيدي بوسعيد عام 1901 وتوفي بها سنة 1967.
(4)
محمد التريكي. من مواليد 1900 بتونس العاصمة، موسيقار وعازف كمان ممتاز ساهم بجهد وافر في معهد الرشيدية منذ عام 1935 وحقق نقلة نوعية بتدوين وترقيم نوبات المألوف نقلا عن الرواة لحفظه من التلاشي، كمما خلف حوالي ألفي قطعة موسيقية بين أغاني وسماعيات وموشحات. (عن الموسوعة الموسيقية بتصرف)
(5)
على درويش: عازف ناي وموسيقي شهير، قام بتأهيل وتأطير أفواج من الموسيقيين في تونس في حقبة الثلاثينات.
(6)
خمبيس ترنان (1894/1964) أحد أعمدة معهد الرشيدية وعلامة فارقة في تاريخ الموسيقى التونسية.

hhhhكتاب "اليهود في الغناء المغاربي والعربي"
محمد الصقلي
إعلامي وكاتب مغربي مقيم بروما

 

Repost 0
Published by Les Passeurs D'Arts - dans الأستاذ محمد الصقلي
commenter cet article
6 mars 2010 6 06 /03 /mars /2010 00:08

n1288347908 30114062 2299ssss

لسياسة وحدها لن يكون بوسعها حل معضلات هذا العالم، وبالفعل فقد أخفق السياسيون في إيجاد مخرج للعديد من الأزمات التي يتخبط فيها عالمنا المعاصر، أما الحل المؤجل والذي سيفتح الطريق لا محالة للشروع في مواجهة التحديات الحقيقية بل والمخاطر التي تهدد مستقبل الإنسان، هو خلق شروط حوار سمح وخلاق ومتحضر في أفق من التكامل والتفاعل بين مختلف الثقافات.
في مجموع المنطقة المغاربية شكل التراث الأندلسي عموما من فلسفة وأدب وشعر ومعمار وموسيقى إلى غير ذلك، مكونا أساسيا في ثقافة الأمة، كما شكل قاسما مشتركا بين مختلف طبقات الشعب وطوائفه كل منها ينهل منه بمقدار حاجته وفهمه وإمكانياته

11838 1186537062769 1208572190 30447714 2985433 n
فهل ينجح الفن إذن والثقافة عموما حيث أخفقت السياسة؟ سؤال قد لا يستدعي استقراء المستقبل لأن الماضي يوفر إجابات متعددة

yuyt

إن المؤرخ المنصف لن يحتاج إلى كبير عناء لإعطاء الدليل بأن بلدان المغرب العربي كانت في مستوى المسؤولية التاريخية، بحيث كان لها شرف استقبال واحتضان يهود الأندلس الذين طردتهم العنصرية من أوروبا. فمعضلة النزوح القسري لليهود لا يتعين النظر إليها بمعزل عن مآسي تهجير عشرات الآلاف من المسلمين، نحو الضفة الجنوبية لغرب المتوسط والتي كان على المغرب حكاما ومحكومين أن يتحمل تبعاتها، لذلك فإن استيعاب يهود الأندلس ضمن النسيج العام للمجتمع المغربي لم يكن له أن يتم في إطار تصور سياسي معين، أو أنه مجرد فرض الأمر الواقع أو قبول المهزوم بنتائج الهزيمة، إذ كان بوسع المجتمعات المغاربية أن تقوم بدورها بطرد هؤلاء اليهود النازحين إلى حيث لن تقوم لهم قائمة، لكن الحل الحقيقي جاء في إطار من السلوك الحضاري الذي أملته ثقافة التسامح والوفاق

11838 1186548503055 1208572190 30447741 3396819 n

لكن بكل أسف العديد من الجهات المؤثرة في الرأي العام اليهودي، لا تملك الشجاعة الكافية كي تعترف بأن علاقة اليهود بالدولة العربية الإسلامية سواء في الأندلس أو المغرب لم تتمخض يوما عن فظاعات بجحم "الهولوكست"، وبأن هذه الدولة كانت تتخذ من التسامح شرعة ومنهاجا مما أتاح للعديد من القامات العلمية والفلسفية والثقافية والأدبية والفنية أن تبرز وأن تتألق

11838 1186539502830 1208572190 30447720 3724356 n
وإلا فلماذا كل هذا الارتباط بهذه الثقافة، لو لم يكن لها ذلك البعد الإنساني العميق والنبيل، والذي يضع مؤهلات الفرد وقدراته وإمكانياته فوق انتمائه الديني، ويشيع روح التكامل بين مختلف الطوائف

s1288347908 30146341 3403

إن الارتباط بالتراث الموسيقي الأندلسي يتخذ أشكالا مختلفة من حيث المظهر والعمق، بين ولع وشغف يصلان أحيانا إلى مرتقيات العشق الصوفي، كما أن هذه العلاقة ظلت قائمة تعلن عن نفسها على امتداد قرون إلى ما لا نهاية خارج الانتماء الديني بين مسلمين ويهود.
وفي مقال بعنوان "يتحدثون جميعا لغة القلب" خصصه الباحث Amnon Shiloah أمنون شيلواه (1) للموضوع أورد فيه العديد من الأمثلة سواء عن إيفاد الخليفة الحكم للموسيقي منصور اليهودي إلى القيروان لإقناع زرياب بالقدوم إلى قرطبة كما ورد ذلك في كتاب نفح الطيب للمقري، أو عن شيمون اليهودي الذي يصفه ابن سعيد المغربي في سياق حديثه عن أقطاب الموسيقى في قرطبة بأنه لم يكن فقط ملحنا ومطربا وعازفا بل كان منظرا كرس الكثير من جهده لاقتفاء أثر استاذه الفليسوف والموسيقي ابن باجة (2).fff-copie-1
يقول الباحث حاييم الزعفراني(ص192 من كتاب يهود المغرب والأندلس) في حاشية له حول كتاب الحايك لصاحبه محمد بن الحسين وهو من أهم المجاميع الموسيقية" وكان المهتمون اليهود قد نسخوا عددا كبيرا من نصوصه بالحرف العبري واحتفوا بها أيما احتفاء".
من جانب آخر يشير Issachar ben-Ami (3) إلى جوقة صمويل بن حدان في مراكش التي كانت تسمى الرباعة الكبيرة ، وكذلك جوقة "ديدي بن سوسي" و جوقة "يوسف زديدي" في مطلع القرن العشرين بمدينة الصويرة موضحا أن عددا من أبرزالعازفين في هاتين الفرقتين تعلموا على يد الموسيقي المسلم الأستاذ المهدي بن سودا الذي ألحق مجموعة منهم بفرقته

hhhh

وفي الصفحة 202 من نفس المرجع نجد الفقرة التالية" يقال أن السلطان المولى يوسف ومحمد الخامس كانا يستدعيان دائما المغني اليهودي الشهير داود بن باروخ (3) إلى القصر في الرباط أو مراكش ليعزف مع أفراد "السَّتِرا" أو الجوق الملكي".
من جانب آخر يلفت الانتباه الباحث آمنون شيلواه إلى أن الإرهاصات ذات البعد الإثني التي شهدتها إسرائيل في عقد الثمانينيات قد تمخضت عن ظاهرة في غاية الأهمية سادت أوساط اليهود المنحدرين من البلدان العربية والتي ما لبثت أن أفرزت موجة احتجاج ضد القناعة السائدة والمدعومة من قبل الطبقة الحاكمة بأن التقاليد الموسيقية الشرقية لا تعدو في جوهرها مجرد فلكلور ولا ترقى إلى عظمة الموسيقى الكلاسيكية الغربية، وبالمحصلة فهي ليست جديرة بما تستأثر به هذه الأخيرة من دعم ومن اهتمام واحترام، وكان اليهود من أصل مغربي دائما حسب نفس المصدر في طليعة من عارض بشدة هذا التوجه مدافعين عن التراث الموسيقى الأندلسي الذي جلبوه من بلدهم الأصلي المغرب باعتباره موسيقى عالمة

yuyt
لذلك فإن التعلق بهذه الموسيقى من قبل مسلمين ويهود على السواء يمثل بحق الرد الحضاري على كل أشكال الدولة العنصرية، وهو بذات الوقت ليس مجرد حنين إلى فردوس مفقود أو ذكرى تمعن في الهروب، بقدر ما هو توق وشوق حقيقيين إلى استعادة ذلك السمو الذي طبع سلوكا يمثل درجة راقية بالفعل من التعايش السمح الذي أسهم في خلقه وتجسيده مسلمون ويهود ومسيحيون، فكانت بذلك الأندلس نموذجا فريدا متفردا في التاريخ القريب والبعيد، نحن في أمس الحاجة إلى استلهام جوهره وفحواه خاصة في هذا الزمن الذي تم فيه نسف جسور الحوار العقلاني الحر بين الحضارات والشعوب.
ـــــــــــــــــ
(1)
أمنون شيلواه. باحث أكاديمي متخصص له دراسات متعددة حول الموسيقى العربية واليهودية وموسيقى العالم الإسلامي.
(2)
ابن باجة: أبو بكر بن الصايغ. فيلسوف وأديب وموسيقي ومطرب أندلسي. ولد بسرقسطة سنة 1087 وتوفي بفاس عام 1138 ودفن بباب الشريعة.
(3)
إيساشار بن عامي: باحث ومحاضر بجامعة القدس متخصص في مجال الفلكلور اليهودي، له مؤلفات عديدة بالفرنسية والعبرية من بينها "يهود المغرب، دراسات إثنو/ثقافية" "صلحاء اليهود في المغرب" وكتاب "الأمثال اليهودية في المغرب".
(4)
داود بن باروخ: موسيقي يهودي ولد سنة 1867 وظل حتى سنوات 1930/40 قيدوم طائفة مدينة الصويرة.

 

Repost 0
Published by Les Passeurs D'Arts - dans الأستاذ محمد الصقلي
commenter cet article
26 février 2010 5 26 /02 /février /2010 18:36
n1288347908 30114062 2299
Mohamed skalli
Journaliste, écrivain et poète marocain résident à Rome depuis 1994.
1994-2007 responsable du bureau d'information auprès de six chaînes arabes à l'Orbit Network.
1983-1994 journaliste à Medi1 Tanger.
1970-1983 Travail aux stations radio à Rabat, Agadir, Marrakech, Laayoun.

Publications 2 livres:
Assaha (la place), roman autobiographie édité en 2007.
Les juifs dans la chant maghrebins et arabe, essai, édité en 2008

Azjals dont certains textes publiés déjà au site de facebook.com
Chansons:
- Bladi Ya Zin Lbouldan interprétée par Noaman Lahlou
- El hareb interprétée par Abdelwahhb Doukkali
- Al mohal interprétée par Abdelwahab Doukkali
- Mkadder li naachek interprétée par Bahija Idriss
- Sabiya interprétée par Mahmoud El Idrissi

2007 jusqu'à présent, Mohamed Skalli est journaliste libre-indépendant et également travaille en temps partiel pour BBC News et d'autres chaînes de télévisons arabes.
Repost 0
Published by Les Passeurs D'Arts - dans الأستاذ محمد الصقلي
commenter cet article
5 février 2010 5 05 /02 /février /2010 22:28

dddddd.jpg
هــامــش*
قــد لا يــكــون لـهذا الإســم مــعــني دال، سوى أنه اشتقاق لغوي من جذر الشـغـف.. وبالفعل فقد كنا ونحن صغار شغوفين بالرجل وهو يـخـترق الحارات، أما شغفه الخاص فلا أحد يدرك مداه.. فقط كان أهالي المدينة يروون عنه جيلا بعد جيل، أنه جاء إلى دكان معلمه يوما وقال ، عفاك نقـص ليا كاع من ليجــاره غير خليني نغــني!!!
*****************
yuyt
ما كل من غنى أطرب، وما كل من غنى أبدع فأمتع، لكن كل من غنى اغتنى لا محالة. ألم يقل الأصمعي: ما رأيت أسرق لجيوب الخليفة من الموصلي.
غير أن الفتى " المشغاف" كان استثناء. فالغناء كان السبب الرئيس في تفقيره. وفي موته المبكر.
كان سوق الحرارين ( نسبة إلى الحرير)، من الأماكن التي يكتنفها ظل وريف، خاصة أيام الصيف، وكانت أزهار ونباتات الحبق والجوري وشقائق النعمان أو "خدود لجوار" تلف أعمدته البالية المتآكلة التي تتسلقها أغصان اللبلاب مشرئبة نحو سقوف "الماموني" (قصب متشابك في شكل مربعات).
كان أغلب زبائن السوق من النسوة والصبايا اللواتي يمتهنن الخياطة والمشتغلات في حرف التطريز على القماش والجلد أو في أطواق اللباس وتزريره. يأتين لابتياع حاجياتهن من خيوط الحرير"الصابرة" وما يتفرع عنها من "السفيفة" و"الصارمة" و"العقاد" و"القيطان" و"الصقلي".
واحدة عينها في الخابوري والزبطي.
ـ وانا بغيت دم غزال، والطوبي والزرزخان.
ـ اعطني عنق حمام والزبيبي.
ـ حاجتي فالعكري مع المسكي، والشيبي مع القيقلان.
في غير ما جلبة، كانت هذه الألفاظ ذات الجرس، تأتي على ألسنة الزبونات من الصبايا وعبر أصواتهن وكأنها سيمفونية ملونة.
وسط هذه اللوحة كان الفتى المشغاف يدندن مشغولا عن العالم وهو جالس عند عتبة حانوت المعلم يدير الناعورة من حوله لتعبئة "البكارات" وكبسولات "القنوط".
كان الهدوء هو السمة الغالبة طول الوقت على أجواء هذا السوق، وكان معظم صناعه من المتقدمين في السن، فإذا بهذا الغلام يملأ عليهم الدنيا غناءً.
ـ آ يامنة غدرتيني في لامان/ آ يامنه فين العهد ما بان/.
ـ متعلمك عمل لينا الشقيقة في الراس.
استفحل الأمر وتمادى الولد في غيه ملعلعا بصوته بين جنبات المكان، تضاعفت شكاوي أهل السوق، فما كان من معلمه الشيخ إلا أن يذعن للأمر فقرر عزل الصبي، لكن الولد لم يحزن بل وجد في المغنى خير عزاء فهام على وجهه منشدا ومرددا، حرا طليقا عفيفا أليفا، أهازيجه تملأ الأسواق إلى أن بلغ والده خبر جنوحه.
لم يمض طويل وقت على النازلة حتى طرأ المشغاف مجددا على باب الدكان إياه مخاطبا صاحبه وهو يفرك يديه: آسيدنا الشيخ إن والدي يقرؤك السلام.
ـ آش جابك هنا ثاني يالمطيار.
ـ لألتمس منك العذر، وعفا الله عما سلف، وأتعهد لك” عفاك “لا تدفع بعد اليوم أجرتي بالكامل، لكن فقط دعني أغني كثّر الله خيرك

n1288347908 30114062 2299

ـ آسر يا دعاوي البلا فاين تقضي حاجة لراسك، ما فيك طماره (الجدية)، هانتا أولدي ها السوق عطا الله الشبوق، أما أنا ما فيا ما نزيد كلفه، وهم على همي.
ـ باركة من الهم والغم/ كلها يكفيه اللي فيه/ هات لي من عندك معنى/ يكون فيها سر المغنى/ وفدني، صاحب الرجاحة مازال يبان/
هل هذا يا ناس شيء يصدق؟
أليست هذه الصورة شبيهة بما حصل يوم اجتمع أهل بغداد فقصدوا الشيخ الجنيد يشكون إليه تلميذه الحلاج: "اعلم أن مريدك حسين قد أتعبنا وهو يشطح ويتكلم كلاما لم يدخل في العقل ولا في البال، وقد شغلنا عن بيعنا وشرانا فنسألك أن ترده عنا".
كان جواب الحلاج على تحذير شيخه من مغبة التعرض للتعذيب على أيدي هؤلاء: "إن التعذيب يطيب في رضى الحبيب".
كان الحلاج يحلج الصوف أما المشغاف فقد اشتغل في حلج الحرير، الأول انجذب إلى الملكوت الأعلى وراء عشقه الإلهي، والثاني قتله حب الغناء بعد أن عثر عليه جثة في أحد حمامات المدينة.
بسحنة الناسك التي تعرفها زقاقات المدينة، كان يسير مطمئن الخطو في غير ريث ولا عجل، متلفعا قشابة صوف أدكن، تنتهي تحت الركبتين. قامة أقرب إلى القصر، قليل شعر الرأس، مستدير الوجه، تعلوه سمرة بلون التمر، يهز رأسه كما لو يصيخ السمع لموال داخلي، يدندن بكلام مهموس حتى إذا استرعى نظره وجه صبوح صدح بصوت مرخم "عيون وحجبان صباغة الرحمان".
ألم يكن الوحيد من بين جمهرة أهل الغناء، قنع بالريح ثمنا وبالعراء سكنا، وجد نفسه خُلق ليملأ الدنيا غناء ولو على حساب قوت يومه، لينفق سنوات عمره القصير مستسلما لهذا الموال الذي استبد به يقضي سحابة حياته زاهداً متنقلا بين أسواق المدينة وحاراتها مرتلا أهازيجه التي أصبح الأولاد يرددونها معه كلما رأوه. إنه شهيد الغناء.

رواية الساحة
محمد الصقلي

Repost 0
Published by Les Passeurs D'Arts - dans الأستاذ محمد الصقلي
commenter cet article
18 janvier 2010 1 18 /01 /janvier /2010 14:11
ddffdf.jpg
"لقد أقبل الشعب التونسي على هذه المطربة الفريدة إقبالا عجيبا، إذ أنها جمعت بين جمال الخلقة، وجمال الصوت، وبراعة الأداء.
إنها "حبيبة مسيكة" المغنية التونسية اليهودية الحسناء، الراقصة والممثلة، الشخصية الملتبسة التي ملأت الدنيا وشغلت الناس في تونس العشرينات.
وبالفعل جمعت حبيبة مسيكة في شخصيتها مقومات الفنانة الشاملة بحيث هي مغنية مطربة بقدر ما هي ممثلة وراقصة، وقبل أن تتلمس طريقها نحو الغناء، كانت بدايتها من المسرح الذي قضت فوق ركحه عقدا من الزمن إلى أن أصبحت نجمته الوحيدة بدون منازع، لدرجة أن البعض يحلو لهم تسميتها ب"سارة برنار" تونس تشبيها لها بنجمة المسرح الفرنسي التي كانت حبيبة معجبة بها وحضرت في باريس عددا من عروضها.
إذا كانت منيرة المهدية (من مواليد 1885) التي تلقب بسلطانة الطرب قد ظهرت لأول مرة على المسرح سنة 1915 فيمكن اعتبار حبيبة مسيكة أول امرأة في الوطن العربي تعتلي خشبة المسرح وقد كان ذلك عام1911. من هنا يمكن للمتتبع أن يستخلص قواسم مشتركة بين حبيبة مسيكة من حيث الشخصية الفنية أو الشهرة الفائقة، وبين منيرة المهدية من جهة، وكذلك بينها و بين "بديعة مصابني"( ). فهل يمكن اعتبارها إذن المعادل التونسي أو المغاربي لهما معا؟ أم هي شيء مختلف تماما؟
من الصعب القول بأنها كذلك، وإن كانت تمثل تجسيدا لظلال وملامح من شخصية كل منهما على حدة. غير أن ما يوحد بين هذه الوجوه الفنية النسائية، أنهن مجتمعات اكتوين بنار الفن، واقترفن السير فوق الصفيح الساخن في وقت كان فيه مجرد ظهور المرأة سافرة في حواضر الشرق والمغرب العربي آفة مهلكة، ناهيك عن احترافها الغناء والرقص والتمثيل.
كانت العاصمة التونسية قد شهدت بناء أول مسرح بها تحديدا عام 1902، حيث احتضن في البداية العديد من العروض بين مسرح ومنوعات وأوبرا. وهو الحدث الذي أثر بشكل بالغ على سير الحياة الثقافية والفنية في البلاد، إذ سرعان ما تمخضت عنه الحاجة إلى تأسيس فرق مسرحية، وكانت أولاها فرقة "النجمة" سنة 1908.
خلال تجربتها المسرحية احتكت حبيبة مسيكة بأبرز رجالات المسرح ومن بينهم أستاذها الأول و مؤطرها محمد بورقيبة المدير الفني لفرقة "الشهامة الأدبية" التي تأسست عام 1910، وكذلك جورج أبيض أحد رواد المسرح العربي، فما لبثت أن تألقت في العديد من الأعمال المسرحية التي كانت تلعب بطولتها باللغتين الفرنسية أوالعربية الفصحى، ورغم أنها كانت تكتب أدوارها بالحرف اللاتيني، إلا أنها نجحت في إجادة النطق العربي الذي كان يأتي سلسا على لسانها دون أن تعتوره لكنة. كل هذه العوامل ساهمت في بلورة نبوغها، وهو ما أكسبها شهرة واسعة من جهة وحدا بالعديد من الفرق المسرحية إلى التسابق لاجتذابها، وجعلها بالتالي تحظى باحترام المثقفين، لأن نوعية الأدوار التي جسدتها على المسرح كانت إسهاما في تجذير الوعي الوطني، وبذات الوقت مرآة للأفكار والإرهاصات التنويرية الإصلاحية التي تمثلت في فكر ودعوة الشيخ محمد عبده ورشيد رضى، خلال الحقبة المتأججة التي عاشتها مصر، ما بين ثورة أحمد عرابي عام 1882 وثورة سعد زغلول سنة 1919، وهي الأفكار التي سرعان ما ترددت أصداؤها في كافة أرجاء الوطن الغربي قاطبة.
كانت حبيبة مسيكة فنانة عصامية، جاءت إلى العاصمة غضة يانعة وهي لا تتجاوز ربيعها السابع عشر، قادمة إليها من مسقط رأسها بلدة "تستور" التي تعتبر أحد معاقل الطائفة اليهودية المعروف عنها عشقها لفن المألوف وللتراث الأندلسي بشكل عام. تنحدر من أسرة هاوية للفن حيث تعلمت العزف على البيانو على يد خالتها الفنانة "ليلى سفيز" التي لعبت دورا هاما في حياة حبيبة مسيكة، فهي صاحبة الفضل في إدماجها داخل الأوساط الفنية وتقريبها من أجواء كبار الفنانين والمثقفين والأعيان وبذلك وبإجماع الكل مهدت لها الطريق ليس فقط كي تمتهن الفن بل وفرت لها وبالمقام الأول أسباب التألق. وكانت ليلى سفيز فنانة محببة، فرضت نفسها من خلال إجادتها للأغاني الكلاسيكية التي كانت سائدة في تونس خلال العشرينات، ثم بعد ذلك بدأت تحاول فرض أسلوبها الخاص من خلال الأغاني التي تقوم بأدائها.
كانت انطلاقتها الأولى كنجمة موعودة بالشهرة والتألق في مجال الأغنية، التقاء حبيبة مسيكة بكل من العازف "موني جبالي"، و"أشير مجراحي" وهو من يهود فلسطين، وكلاهما من الفنانين اليهود، نزحا من ليبيا إلى تونس فرارا من الاحتلال الإيطالي. كان ذلك مع مطلع العقد الثاني من القرن العشرين منعطفا حقيقيا في مسارها الفني، وإيذانا بانطلاقتها كمطربة ما لبثت أن طبقت شهرتها الآفاق فأحيت سهرات فنية في طول البلاد وعرضها، وقد كان وراء تألقها العديد من أبرز فناني تلك الفترة من بينهم الأستاذ حسن بنان الذي "أقبل عليها يعلمها الأدوار والقصائد المصرية والمنولوجات والديالوجات وغيرها فسجل معها عددا من الأدوار كما سجلت مجموعة من الأغاني العربية الفصيحة مثل قصيدة الشاعر علي الجارم"مالي فتنت بلحظك الفتاك"( ). إحدى أشهر ألحان الدكتور أحمد رضى النجريدي للسيدة أم كلثوم.
لقد تحققت لهذه المطربة شهرة شعبية عريضة، وذلك بفضل مؤهلاتها الذاتية من جمال وتجربة فنية متنوعة في المسرح والغناء والرقص مع القدرة على مواجهة الجمهور، لكن في نفس الوقت لا يجب إغفال الدور الذي كان يقوم به عدد من متعهدي الحفلات اليهود، الذين كانوا يزاوجون بين الحس التجاري وبين احتراف المهن الموسيقية، وبذلك استوفت حبيبة مسيكة كل شروط النجاح مما أتاح لها أن تستأثر باهتمام كافة الأوساط، وخاصة الصفوة والأعيان لحد جعل العديد منهم يتنافسون في التقرب منها وخطب ودها، وذلك بالإقبال على سهراتها العمومية أو حفلاتها الخاصة، كما كان الأدباء يتبارون في تدبيج قصائد الغزل في حبها والتعلق بها، وفي طليعتهم الأستاذ محمد السعيد الخلصي الذي تعاطى المحاماة واستقر لفترة معينة بالمغرب، وأكتفي هنا ببيتين مما قاله فيها:
خسرت لأجلها مالا وجاها/ وأوشك أن يمس العقل خبل/
فقـلت المال يأتي ثم يغدو/ وقلت الجاه عارضة وظـل/( ).
كانت حبيبة مسيكة محاطة بنخبة من خيرة الفنانين الذين كان لهم شأن كبير في حياتها الفنية، في مقدمتهم الأستاذ خميّس ترنان( ). وهو موسيقار وملحن بارز وأحد أقطاب جمعية الرشيدية للموسيقى العربية، فبالإضافة إلى الأعمال التي تغنت بها من ألحانه كان يصحبها في رحلاتها إلى برلين لطبع أغانيها على أسطوانات. ولإنجاز هذه المهمة التي ستطلق اسمها خارج بلدها في مجموع أقطار المنطقة، بعد أن توجت نجمة أولى في فضاء مسرح المنوعات، كان أيضا ضمن الوفد الذي رافقها كل من البشير الرصايصي، والفنان محمد عبد العزيز العقربي أحد وجوه مسرح المنوعات والذي كان أول التقائه بها في جمعية الشهامة للمسرح، كما تميز بحفظه لجميع أغاني المسرح الغنائي للشيخ سلامة حجازي.
وقبل نهايتها المأساوية وفي عز تألقها، كانت حبيبة مسيكة قد التقت في برلين عام 1929 بالفنان العراقي محمد القوبنجي( ). باعث المقام العراقي، وقد حضرت معه البروفات الخاصة بتسجيل أغنية "طالعة من بيت أبوها" بل وقامت بترديد مقاطع منها مما يوحي بمشروع لم يكتمل ل"دويتو" مشترك بينهما ربما لم تسعفهما الفرصة لإنجازه، وقد عبر عن إعجابه بفنها بأن اقترح عليها التوجه صحبته إلى العراق، إلا أنها كيهودية كانت ترى وضعيتها في المجتمع المغاربي والتونسي تحديدا أدعى إلى الطمأنينة من الإقدام على مغامرة غير مأمونة نحو بلدان الشرق العربي المتأجج.
كانت حيبية مسيكة قوية الشخصية حادة المزاج، فأية جرأة كانت تتمتع بها هذه المرأة الجميلة الغامضة، وقد حدث أن دعاها أحدهم يوما إلى تحقيق صلح مع نفسها كامرأة يهودية وسط مجتمع عربي مسلم، فأجابت بحدة " أنا قبل كل شيء فنانة وتونسية".
ولتقويم تجربتها الغنائية، وحتى لا أكون قد جانبت الحياد، أو تماديت في التقريظ، أرى من باب الأمانة أن أورد هنا فقرة من مقال بقلم الباحثة التونسية في علم الاجتماع سلمى بن حفيظ( ). جاء فيه ما يلي "والغريب أن صوت حبيبة مسيكة عادي لا تميز فيه، والأغرب من ذلك أن حفظة الغناء العتيق والطرب الأصيل والمتمكنين من آداب السماع والأداء المتقن، كانوا يقبلون على استهلاك أغان ساذجة بناء موسيقيا وكلمة من قبيل (على سرير النوم دلعني)".
قد تكون وجهة النظر هذه صائبة لكنها لا تعكس كل الحقيقة، وإلا لماذا إذن تألقت حبيبة مسيكة وتصدرت المشهد الغنائي بمفردها، بل وتفوقت على معاصرتيها خاصة المطربة فضيلة ختمي التي كانت منافسة حقيقية لها وربما كان البعض يفضلونها على حبيبة، وكذلك شافية رشدي وهي أقوى صوتا وأمتن أداء.
هناك لا محالة جملة من العوامل التي حسمت الموقف لفائدة حبيبة مسيكة وحققت لها النجومية الفائقة، أهمها جمالها الباهر وسط مجتمع ذكوري تقليدي ومحافظ، ثم إجادتها استخدام أساليب الإغراء ولم لا الإثارة، مما كان له فعل السحر على مختلف فئات جمهورها، هنا وفضلا عن الريع المالي نتيجة النجاح التجاري ووفرة الإمكانيات، تحولت حبيبة بفعل هذه العوامل مجتمعة إلى أسطورة حية، تلهب الخيال الشعبي الذي نسج حولها الكثير من الحكايا والغرائب التي لا تخلو أحيانا من مبالغة مثل شائعة إنشائها حرسا خاصا كان يسمى بعسكر الليل، وقد أحيط الموضوع بنوع من التهويل، جعله ينأى عن الواقع، ومرد ذلك أصلا إلى الصخب الذي كان رواد حفلاتها يحدثونه في اقتفاء أثرها وتتبع انتقالها من المسرح إلى السهريات الخاصة.
/من لم يمت بالسيف مات بغيره/ تعددت الأسباب والموت واحد/
كان الوجه الآخر للنجمة التي تعيش في أوساط المجتمع المخملي وفي كنف الطبقة الأرستقراطية يعكس تمزقا داخليا هو انعكاس لوضعها الخاص كامرأة، ثم كفنانة تنتمي لأقلية يهودية.
فبقدر ما كان لها من عشاق ومحبين أخفق أغلبهم في الظفر بها فتملكت البعض منهم النقمة عليها، وبسبب شهرتها وجمالها وحظوتها كان طبيعيا أن يكون لها أعداء وخصوم، وكان بالإمكان وبكل بساطة أن يدفع حب الانتقام بأحد هؤلاء الخصوم أن يتهمها بالتجسس لحساب الصهيونية. غير أن هذه الادعاءات لم تنل منها، لكن الطعنة التي أصابت المقتل ووضعت حدا لحياتها جاءتها من أحد أبناء طائفتها. حيث لقيت مصرعها في حادث مأساوي حرقا بالنار من قبل عاشق مفلس مهووس، وهو "لياهو ميموني" الذي عجز عن الاستئثار بها وسط منافسيه من العشاق، فتملكته روح الانتقام فخطط للثأر منها. فبعد حضوره إحدى حفلاتها، وبعد أن اطمأن إلى عودتها للبيت، تسلل إلى شقتها، وباغتها بأن صب عليها وقودا وأضرم فيها النار ثم ارتمى عليها.
حصل ذلك في صبيحة الجمعة 23 فبراير 1930 حيث استيقظت تونس العاصمة على خبر مقتل حبيبة مسيكة، حرقا بالنار، فكان لهذا الحادث وقع المأساة لدى الجمهور، وخاصة الأوساط الفنية فتسارعت جموع غفيرة لتشييع جنازتها.
قبل الختام نشير إلى أن المخرجة التونسية سلمى بكار أنجزت فيلما بعنوان "حبيبة مسيكة أو رقصة النار" من بطولة سعاد حميدو، نجلة الفنان المغربي العالمي حميدو بنمسعود.
الفيلم أثار جدلا وسارع النقاد إلى مهاجمته، والطعن في مستواه الفني، لكنني أرى شخصيا أن هذه المخرجة تحسب لها جرأتها في مقاربة هذا الموضوع، لكن في اعتقادي أن الفيلم من حيث القيمة الفنية جاء محكوما بعدم توفر الحد المطلوب من شروط الإنتاج، علما أن هذه العينة من الأفلام في السينما العالمية والتي تتناول السيرة الذاتية لشخصيات موسيقية، مثل أماديوس موزار، وقبله تشايكوفسكي أو شوبان، أو أفلام الكوميديا الموسيقية عموما تتطلب الإنفاق بسخاء خدمة للغاية المتوخاة وذلك باعتماد ميزانية ضخمة، ولست هنا في وارد عقد مقارنة بين الفيلم المذكور والإنتاجات الهوليودية، أو حتى بينه وبين الأفلام الغنائية المصرية، التي يعتبر الكثير منها بحق مفخرة للسينما العربية، لكنني أرى مرة أخرى أن ضعف إمكانيات الإنتاج هو بالأساس ما أدى إلى تعثر سلمى بكار فجاء الفيلم دون المستوى المطلوب علما أن الحياة المخملية والعاصفة بنفس الوقت، والليالي الصاخبة التي كانت حبيبة مسيكة نجمتها المتألقة، وكذلك ما كان يحيط بها من مجد ومن أخطار، كل ذلك يوفر أرضية خصبة لإنجاز عمل درامي من مستوى جيد أخفقت المخرجة التونسية للأسف في تحقيقه

محمد الصقلي من روما
Repost 0
Published by Les Passeurs D'Arts - dans الأستاذ محمد الصقلي
commenter cet article
18 janvier 2010 1 18 /01 /janvier /2010 01:35
 hhhh في الخامسة عشرة من عمري كنت أعزف في جوقته، وهو من اختارني كي أكون وريثه- إينريكو ماسياس
**
وضعه قدره على خط التماس بين تأجج الجغرافيا وحساسية التاريخ. في مسقط رأسه قسنطينة مدينة الجسور المعلقة، كان الشيخ ريمون أيضا جسرا يجمع بين تضاريس طائفتين في وقت كانت فيه أحداث التاريخ بصدد التفريق بينهما.
وهو من أب يهودي من مدينة باتنه، وأم مسيحية فرنسية من منطقة بروتون، جعلت منه حرفة الغناء بائعا للأنس والطرب في سوق زبائنه من المسلمين واليهود، لأنهم جميعا لا يتمثلون أفراحهم وحفلاتهم بعيدا عن أجواء فن المالوف الذي هو تجسيد لبيئة روحية مفتقدة وماض يتوهج الحنين إليه كلما أوغل في البعد.
رجل كانت ديانته المالوف (1)، كان محاطا بهالة احترام، الكل يقدر فنه ويعشقه بحيث "كانت الطرقات تخلو من المارة في قسنطينة حرصا على تتبع حفلاته الأسبوعية بالإذاعة ثم في التلفزة المحلية"(2). لكن حين حم القضاء، وانفجر بركان الغضب، في جزائر تتطلع إلى التحرر، و ترى في الطائفة اليهودية ريحا معاكسة، أو حاجزا يعترض حركية التاريخ، كان الشيخ ريمون ابن المدينة وأحد أعيانها، ممن دفعوا ثمن هذه الظرفية المحقونة والمتأزمة.
كلما ذكر الاسم اعتبر ذلك بمثابة وضع الملح على الجرح، لأن الرجل قتل في صيف 1961 في أوج احتدام حرب التحرير الجزائرية، وهو ما يحيل إلى طرد يهود المدينة الذين كان يبلغ تعدادهم 40000 نسمة، والموضوع عموما يعتبر نبشا في ذاكرة الألم. وهنا تجدر الإشارة إلى أن قرار فرنسا إعطاء يهود الجزائر الجنسية الفرنسية كان هدية مسمومة (3)، وهو ما أحدث شرخا بين اليهود من جهة وبين عامة الشعب الجزائري، حيث "الهوة بين اليهود والمسلمين كانت من صنع الاستعمار" كما يقول "إيميل مواتي" رئيس جمعية إخوة إبراهيم بفرنسا.
وقد جاءت عملية اغتيال الشيخ ريمون عكس مجرى الأحداث أو خارج منطق الأشياء، فالرجل كما عاش حياته كان محط تقدير من الجميع وكان رمزا يحيل إلى تراث حضاري شامخ هو فن المالوف، خاصة وأنه أحد أبرز وجوه هذا الطرب ليس في الجزائر فقط بل وفي المنطقة عموما. واقتران اسم ريمون ليريس بالمالوف في هذه الحقبة من تاريخ المدينة، وحرصه الشديد على التمسك بهذا التراث تحديدا هو في حد ذاته عمل نضالي، وهو عمليا فعل مقاومة لمشروع الاجتثاث الذي كانت تنهجه سلطات الاستعمار الفرنسي من خلال الاحتلال العسكري الاستيطاني واللغوي ونسف الجذور الثقافية لشعب الجزائر.
كان الشيخ ريمون يتمتع بذاكرة قوية حسب شهادات الذين احتكوا به وعاشروه، وهناك من ذهب إلى القول بأنه كان يستظهر ما لا يقل عن خمسة آلاف قصيدة لدرجة أن صار يطلق عليه آلة التسجيل. ورغم أن الرقم قد يكون صحيحا أو مبالغا فيه، إلا أن ذلك يؤشر إلى أن الرجل بالفعل كان حافظا للطبوع وراوية للمتن المغنى في فن المالوف من شعر وزجل وموشحات، بالقدر الذي أهله ليكون مرجعا في هذا الباب. وتذكر نفس المصادر أنه حين كان بصدد تلقي قواعد المالوف ولم يكن بعد قد اكتسب القدرة على مشاركة العازفين في جوقة شيخه عبد الكريم بستنجي(4)، كان يجلس في الأدراج منصتا، وبمجرد أن تنتهي الفرقة من العزف، تكون ذاكرته قد التقطت كل شيء.
غير أن نفض الغبار عن تراث الشيخ ريموند وبالتالي رد الاعتبار إليه وإعادة إحياء حقبة زاهية من تاريخ طرب المألوف في قسنطينة، لم يكن ليتم هكذا بمحض الصدفة لولا إسهامات شتى، وتضافر جهود عديدة وفي وقت متزامن إلى أن أتت هذه الجهود ثمارها الأولية.
فبالإضافة إلى "جاك ليريس" نجل الشيخ ريمون، كان طبيعيا أن الجهات التي تدخلت لم تكن لها أية صبغة رسمية، بل كان الطابع الذي يوحد بين هذه المبادرات، هو القناعة الشخصية بإعادة رأب الصدع في الذاكرة المشروخة، وتدارك ما فات ولإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
وقد كان من بين أهم المساهمين في هذا الجهد كل من موقعه، نجم الغناء الفرنسي الجزائري "إينريكو ماسياس"، بوصفه التلميذ المباشر للشيخ ريمون "في الخامسة عشرة من عمري كنت أعزف في جوقته، وهو من اختارني كي أكون خليفته" ثم بعد ذلك توثقت الصلة بينهما باقتران هذا الأخير ب "سوزي" نجلة الشيخ ريمون. في حين كان عازف الكمان الشهير "سيلفان" والد "إنريكز" من بين أربعة عناصر اعتمدها ريمون في تشكيل نواة جوقته الخاصة.
الشروع الفعلي في النهوض بهذه المهمة أي مشروع إعادة إحياء تراث الشيخ ريمون، دشنها إنريكو بإصداره أغنية "مطربي المفضل" تكريما لأستاذه ريمون. ومنذ ذلك الحين وهو لا يفوّت فرصة إلا استغلها لتسليط الضوء على هذا الفنان، ومن ثم جاءت مساهمته في السهرة المدوية التي أحياها بغرناطة حيث تغنى بالعربية جنبا إلى جنب مع مطربين شباب جزائريين أو من مواليد المهجر، كما في حفلة ربيع بورج (18 أبريل1999) رفقة الموسيقي والباحث توفيق بستنجي (5)، أو في الدويتو الذي اشترك فيه مع الشاب مامي.
الباحث والأكاديمي الجزائري رافائيل درعي(6)، كان أيضا من السباقين إلى الإسهام في هذه المبادرة، ملقيا بثقله العلمي والإعلامي، فأدلى بدلوه في الموضوع، حيث أوضح بقوله: "إنني كنت أعتقد دائما أنه من الإجرام أن يندثر أيضا كل ما تبقى من ريموند ليريس وهو صوته".
كانت البداية عام 1979 حين كتب البروفيسور درعي مقالا في جريدة "لوموند" الفرنسية حول الشيخ ليريس مدفوعا بالحنين إلى المصالحة مع الذات والآخر والتاريخ. وكان درعي في هذا السياق قد أكد في لقاء مع الصحافة أن هاجسه الدائم ليس مجرد العودة إلى الجزائر المحررة، بل في خلق مصالحة معها، وأنه يعتبر مغادرتها إجحافا، أو عقابا على غلطة لم يرتكبها شخصيا، بل هو يعزو ذلك إلى لاعقلانية التاريخ l'irrationalite de l'histoire)).
إعادة الحياة لتراث الشيخ ريمون والرغبة في إعادة نشر أعماله على أسطوانات مدمجة هو ما حدا برافائيل درعي إلى التنسيق مع بقية الفاعلين وعلى رأسهم باعتراف الجميع الباحث والموسيقاني الجزائري توفيق بستنجي الذي يرجع إليه الفضل في بعث الروح مجددا في هذا الإرث الموسيقي. واهتمامه بالموضوع يعود إلى عدة عوامل أولها اشتغاله بالبحث الموسيقي ممارسة وتنظيرا، ثانيا يعتبر توفيق بستنجي من المنشغلين بالتراث الأندلسي، سيما وأنه تتلمذ على الشيخ محمد الطاهر الفرجاني (7)، ثالثا الصلة التي تربط جده الشيخ عبد الكريم بستنجي وهو من مشايخ المألوف، بريموند ليريس حيث تلقى هذا الأخير على يديه أصول هذا الطرب.
بالفعل وفي إطار هذا الجهد الجماعي ذي الطابع الأنتربولوجي من جهة والذي يكتسي مدلولا إنسانيا عميقا ونبيلا ، تمكن توفيق بستنجي من إنقاذ وإعادة تأهيل ما تم جمعه من تراث هذا الفنان، وهو ما تمثل في إصدار أقراص مدمجة بصوت الفنان إنريكو ماسياس، تحمل تعليقات وهوامش لكل من رافائيل درعي وتوفيق بستنجي.
________________
(1) الطرب المألوف: أحد فروع الطرب الأندلسي، وهو اللون السائد في تونس تحديدا وفي ليبيا كما في شرق الجزائر وخاصة قسنطينة، بوصفه تراثا أندلسيا من حيث انتماؤه لغرب العالم الإسلامي ثم خضوعه بالتالي لتعديلات فرضها تأثر هذه الأقطار بالموسيقى التركية العثمانية بفعل العامل السياسي والحضاري.
(2) كما ورد في مقال عنه نشرته جريدة Liberte'-Algerie"".
(3) بمقتضى قانون "كريميو" الصادر في 24 أكتوبر عام 1870 قررت سلطات الاستعمار الفرنسي منح يهود الجزائر الجنسية الفرنسية.
(4) عبد الكريم بستنجي: موسيقي جزائري من شيوخ طرب المألوف.
(5) توفيق بستنجي: فنان وموسيقاني. وهو حفيد لعبد الكريم بستنجي.
(6) رافائيل درعي: أستاذ العلوم السياسية بجامعة Aix Marseille lll، وله العديد من المؤلفات.
(7) محمد الطاهر الفرجاني فنان من مواليد (1929) أحد أعلام ومشاهير المألوف.

كتاب " اليهود في الغـنـاء المـغـاربـي والـعـربـي"
محند صقلي
إعلامي وكاتب مغربي مقيم بروما
.
Repost 0
Published by Les Passeurs D'Arts - dans الأستاذ محمد الصقلي
commenter cet article
18 janvier 2010 1 18 /01 /janvier /2010 00:12

hhhh.jpg
أذكر أن صديقا قال لي ذات يوم: إن الموسيقى الأندلسية هي نتاج مجتمع الرفاهية ويجب أن تحرق تسجيلاتها. أجبته: وهل أباد الإتحاد السوفياتي أشعار بوشكين وأعمالةتشايكوفسكي لمجرد أنها تعود لعهد القياصرة. أما الموسيقى التي تدعو إلى إبادتها فهي إن كانت ربيبة البلاط وهواي الأوساط الأرستقراطية أو الفئات الثرية فلا تنس أن مبدعيها وممارسيها هم من عامة الشعب.
كثيرة هي الأعمال الفنية والإبداعية التي يتم تغييبها أو منعها نهائيا خلال فترات الاحتقان السياسي، غير أن ذلك يبقى مرتبطا بظرفية معينة، وهذا الاحتقان غالبا ما يزول بزوال أسبابه، بينما الأعمال الإبداعية الثقافية والفنية فهي تبقى ببقاء الإنسان.
إذا كانت بعض المصادر قد حدثتنا عن محن الأقليات اليهودية في حقب معينة من تاريخ الشمال الأفريقي، وعن معاناتها في حواضر المغرب العربي، وإذا كان البعض الآخر لا يرى في تاريخ هذه الطائفة بالمنطقة كما في عامة أقطار الوطن العربي غير مسلسل من المآسي، وهي في الحقيقة مواقف تنطوي على الكثير من الإجحاف، من وجهة نظر الباحث المدقق، وبالتالي فهي لا تصمد لتخريجات وشهادات أساتذة جامعيين وباحثين يهود تحروا الحقيقة العلمية المجردة بعيدا عن التأثيرات، إيديولوجية كانت أو دينية أو سياسية. والمراجع متعددة في هذا السياق لمن أراد التأكد من ذلك.
فإلى جانب اللغة والعادات والتقاليد خاصة منها ما يتعلق بالأفراح والحفلات العائلية ظلت الموسيقى تشكل باستمرار أحد أهم الجسور التي تربط يهود الوطن العربي ببلدانهم الأصلية عموما، ومنهم بصفة خاصة يهود المغرب، مصر، اليمن والعراق. يقول صالح النعامي( ): "فاليهود الشرقيون وبعد أكثر من نصف قرن على مغادرتهم الدول العربية مازالوا يحافظون على الاستماع للأغاني العربية، وقد نقلوا هذا الميل الثقافي لأبنائهم وأحفادهم، فإحياء حفلات الزواج عند هؤلاء اليهود تتم على أنغام الموسيقى العربية، وهناك مطربون شرقيون متخصصون في إحياء هذه الحفلات بأداء أغاني عربية".
وعن نفس المصدر يلاحظ أن عددا من يهود الدول العربية مافتئوا يترددون على بلدانهم الأصلية، من بينهم على الخصوص المطربة اليمنية "زهافا بن" في محاولة للعثور على أغان تستجيب لذائقة اليهود الشرقيين وتحظى بإقبالهم. كما أن المغنية اليمنية "عفرا هزا" غنت بالعربية والعبرية العديد من أغاني التراث اليهودي اليمني.
www 
إنه أحد وجهي العملة أي تعلق يهود الدول العربية بأغاني بلدانهم الأصلية، فماذا إذن عن الوجه الآخر؟
ألم تتفاعل شعوب هذه البلدان مع أغاني وأصوات مطربين يهود؟ ليست الإجابة فقط بالإيجاب، بل إن ذلك ليعكس في الواقع سلوكا حضاريا يتجلى في تفاعل الجمهور العربي المسلم مع هذه الأغاني والأصوات لأنه يعتبرها جزءا من ثقافته.
غير أن هناك إشكالية في التعامل مع الأغاني اليهودية في المنطقة المغاربية إذ يري البعض بوجهة نظر ما أنها لا تخرج عن كونها إطارا لترويج ثقافة الانحلال والتفسخ و من ثم فهي تكريس لسلوكيات غير أخلاقية فضلا عما تجسده من هبوط وانحدار في الذائقة الفنية، على غرار" دور بها يا الشيباني" و"قفطانك محلول" و"الجولة بغات الليل"،إلى غير ذلك، وهذا صحيح إلى حد ما، لكنه لا يعكس الصورة في كليتها وشموليتها، بل وينطوي على نوع من الحيف، تجاه ما يمثله حضور الطائفة اليهودية وإسهامها في المشهد العام للموروث الموسيقي المغاربي.
هنا يمكن أن أفتح قوسين للإشارة إلى أن موجة الغناء الهابط قد سادت لبعض الوقت في قاهرة العشرينات وما قبلها على غرار"بعد العشا يحلا الهزار والفرفشة" التي غنتها سلطانة الطرب منيرة المهدية، وكذلك "الطشت قال لي، يا حلوه ياللي، قومي استحمي" لدرجة أن هذه الموجة كادت أن تجرف بتيارها السيدة أم كلثوم في بداية مشوارها حين سجلت على أسطوانة عام 1926 أغنية مطلعها "الخلاعة والدلاعة مذهبي" غير أن البيئة الثقافية متمثلة في نخبة من الشعراء والمثقفين المتنوربن الذين كانوا يحيطون بأم كلثوم، هو ما جنبها هذا المنزلق، وكان ذلك من الجهود التي ساهمت بالتالي في ترشيد وترصين مسار أكبر مطربة عربية في القرن العشرين.
من هنا قد يكون الرد على الطرح القائل بأن الأغاني اليهودية المغاربية هي أغاني هابطة، أنه موقف يعتمد النظرة التجزيئية، فلم لا نتطلع إلى الوجه الآخر للصورة حيث نجد أغاني ذات طعم مختلف وملامح مغايرة تماما للصورة الأولى، وقد يتفرع موضوع هذه الأغاني عبر أغراض عدة منها الغناء الذي تطبعه النفحة الصوفية مما تغنى به المطرب ذائع الصيت الكحلاوي التونسي على غرار "سيدي منصور يا بابا" و هي من المأثور الصوفي التونسي، ومنها "أنا التوركي" التي تستلهم تراث الطوارق. غير أن أبرز معالم الوجه الآخر للصورة هو ما يتمثل في أغاني المديح النبوي مثل الأغنية التي يقول مطلعها "انزاد النبي وفرحنا بيه/صلى الله عليه/ يا عاشقين رسول الله/ صلى الله عليه/ وهي من التراث التونسي، وكذلك الشأن بالنسبة للأمداح النبوية بالتحديد، التي تغنت بها أصوات كثيرة منها المطربة المسلمة صليحة، وكذلك أغنية "يا كعبة يا بيت ربي محلاك/ يا سلام على الخليل اللي بناك/ الليلة نزورها، ونشم بخورها/ وهي أصلا للمطرب الليبي بشير فحيمة المعروف بالبشير فهمي.
ولعل هاتين الأغنيتين خير مثال على هذا اللون الذي حقق شهرة منقطعة النظير في كل حواضر ومدن المغرب العربي منذ الأربعينات وحتى الخمسينات والستينات. والمفارقة هنا أن الأغنيتين معا تغنى بهما أكثر من مطرب من الطائفة اليهودية، وإن كان التسجيل الأكثر شهرة هو الذي يحمل صوت المطرب التونسي راؤول جورنو، ولعله كان يسعى بذلك إلى تحقيق نوع من التوازن في شخصيته الفنية لكي لا يطغى عليها طابع الغناء الماجن. ضمن نفس السياق يمكن إدراج أغاني المطربة أليس الفيتوسي وهي من يهود الجزائر القلائل الذين لم يغادروا بلدهم حتى بعد استقلالها، وأهم ما يميز سيرتها الفنية طوال حياتها تخصصها في أغاني المديح النبوي ومن غير المستبعد العثور على تسجيلات بصوتها لهذه العينة من الغناء، إما في محفوظات أرشيف الإذاعة الجزائرية أو على أسطوانات قديمة.
لم أدرج هذا المثال على أنه المسوِّغ الوحيد الذي يبرر الإقبال على أغاني مطربين يهود، وأن أغاني المديح كانت تأشيرة المرور إلى الشهرة والانتشار في مجتمعات مسلمة، بقدر ما يتعلق الأمر بمبدعين قدموا إسهامات نوعية متميزة.
على مستوى آخر، وإلى جانب الأصوات التي تخصصت في خدمة وأداء الطرب الأندلسي بصيغه الثلاث (الآلة) وكذلك الغرناطي والمالوف، وبموازاة مع الغناء الخاص بهم والمتمثل في الإنشاد الديني "البيوتيم أو البيوط"، هناك فئة من هؤلاء الفنانين الذين أتقنوا العزف والإيقاع والغناء حيث تأتت لهم الإجادة في تقليد الطقاطيق الشعبية، كما أسهموا في بلورة بعض الطبوع الخاصة بهم، ومن بينها على سبيل المثال لا الحصر نمط "المطروز"( )، هذا فضلا عن إلمامهم بأغاني الشيخات أو المعلمات، وسائر فنون الغناء التراثي السائد في المدن والحواضر، وقد تميزت هذه الأصوات بارتباطها بالطرب الخاص بأغاني الأفراح والمناسبات، مستفيدة من الذاكرة الجماعية التي تزخر بالعديد من ضروب وألوان الغناء الشعبي والمرددات والأهازيج، مع إعادة تطويع لغتها وإيقاعاتها لتصبح أكثر ملاءمة للذوق العام.
وقد تبقى الصورة غير مكتملة إذا لم نتطرق بالإشارة إلى فن "الفرانكو أراب" وهو لون من الغناء انبثق أصلا من غناء الراي السائد والمتجذر في مدينة وهران، غير أنه استفاد مما عرفته المدينة من أنماط غنائية سواء منها الفلامنكو الإسباني، أو أنواع الموسيقى التي سرعان ما بدأت تنتشر مع وصول جنود المارينس الأمريكيين إلى شمال أفريقيا.
أليس من الأجدى إذن التعامل مع هذا الإبداع الفني المتمثل في أغاني الطائفة اليهودية سواء في الأقطار المغاربية أو في الشرق العربي بوصفه تراثا فنيا وطنيا يملك شرعية الانتماء للأرض واللغة وخصائص الموقع الحضاري، وإلا كيف سيكون رد فعلنا إذا ما تعرض هذا التراث للسطو والانتحال وتم تبنيه بشكل متعسف من خلال رؤية عنصرية على أنه تراث الدولة العبرية دونما مراعاة لجذوره وبيئته ولغته ومنبته الأصلي ولمرجعيته.
لذلك وإذ تدعو الضرورة إلى تدارك الموقف وتصحيح النظرة في التعامل مع تراثنا الغنائي بكافة مكوناته، لتعريف الأجيال الناشئة على حصيلة مئة عام من عمر هذا التراث، ورد الاعتبار لرجالاته ورموزه مسلمين ويهود منذ ظهور آلة الغراموفون والأسطوانة، على أن يتم ذلك في إطار عملية إحياء شاملة مدروسة وممنجهة، لرأب الصدع في الذاكرة المشروخة، وأن يكون من بين أهدافها إعادة إدماج أعمال كبار المطربين اليهود أمثال سالم الهلالي، سامي المغربي، الشيخ ريمون، سلطانة داوود، وحبيبة مسيكة وغيرهم كثير ممن سنفرد لكل منهم مقالا على حدة في هذا الكتاب.
لذلك فإن انتشار الأغاني التي يؤديها فنانون من يهود الوطن العربي عموما تعتبر أقوى مؤشر على تسامح الإنسان العربي في المغرب كما في المشرق وتشبع هذا الإنسان بثقافة الاختلاف ، وهو ما يتجلى أيضا في احتضان الجمهور العربي عبر الأجيال بصدق وعفوية لكل المبدعين اليهود في مصر وبقية الأقطار العربية، خاصة الأسماء الوازنة في عالم الموسيقى والطرب من مغنين وعازفين، أمثال الملحن داوود حسني الذي استمتع الجمهور العربي بالكثير من ألحانه لأم كلثوم وكذلك موشحاته ومن بينها موشح "صيد العصاري" الذي يتغنى به المطرب صباح فخري، سامي الشوا أشهر عازف كمان في العقود الأولى للقرن العشرين، الملحن والمغني منير مراد المبدع والفنان المتميز في مجال الأغنية الخفيفة، الديتو والأوبريت، وهو شقيق سوبرانو الأغنية السينمائية العربية منذ الثلاثينات وحتى الخمسينات الفنانة العظيمة ليلى مراد. هذا إلى جانب المطربة العراقية سليمة باشا مراد التي لعبت دورا هاما في حياة الفنان العراقي ناظم الغزالي والتي كانت أول صوت نسائي ينطلق من الإذاعة العراقية لدى تأسيسها عام 1936.

كتاب "اليهود في الغناء المغاربي والعربي
محمد صقلي
إعلامي وكاتب مغربي مقيم بروما

Repost 0
Published by Les Passeurs D'Arts - dans الأستاذ محمد الصقلي
commenter cet article
18 janvier 2010 1 18 /01 /janvier /2010 00:07
s1288347908_30146341_3403.jpg
في طربنا الأندلسي كثيرة هي الأصوات التي أدت وأبدعت في الأداء، لكن ذلك بقي منحصرا في إطار الموهبة وحدها بينما الأصوات المثقفة والجهود الموزيكولوجية المتخصصة لم تتح لها الفرصة الكافية لمقاربة هذا الطرب، إن لم نقل بأن السير في هذا الاتجاه كان شبه محظور.
وأول بادرة في اتجاه تحديث أداء هذا الطرب في المغرب تمت في ما أذكر على يد الموسيقار الراحل عبد الوهاب أكومي، ولعل المختارات التي تغنى بها خير دليل على ذلك ومن بينها / يانسيم الورد خبر لي الرشا/ لم يزدني الورد إلا عطشا/ التي أكاد أجزم أن أغلب من يتغنى بها لا يدري أنها للحلاج حيث من المرجح أن تكون لعا أغراض أرضية خارج سياق ما عرف عنه من عشق إلاهي. لكن مشروع هذا القنان للأسف اصطدم بعدة عراقيل. ومن ثم ضاع مثل صرخة في وادي.
لطالما ارتفعت أصوات للمطالبة بإنقاذ ذلك الكنز الحضاري الذي يؤرخ لمجد وشموخ الأندلس، خاصة بعد أن غيب الموت فرسانه الثلاثة الذين نذروا حياتهم لخدمة هذا الفن، البحاثة المحقق مولاي أحمد الوكيلي، حارس الأصالة عبد الكريم الرايس ومحمد العربي التمسماني حامل لواء التجديد.
لست هنا في وارد الدفاع عن طرب الآلة، يقينا مني بأن هناك جمعيات وهيئات مهتمة بالموضوع، لكن ألم يحن بعد لهذا التراث أن يستعيد وهجه ونضارته؟
إنها في الواقع مبادرة جميلة وسابقة محمودة في تاريخ الطرب الأندلسي الذي كان غناؤه مقصورا على الأصوات الرجالية، إلى أن تحقق لفرانسوزا أطلان ذلك الصوت النسائي المثقف "السوبرانو" أن تشدو وأن تتسيد في أداء أنتولوجبا رائعة من هذا التراث المهيب المنيف. وبذلك سجلت لنفسها إنجازا نوعيا متميزا، فاتسعت بذلك دائرة جمهورها ومساحة انتشارها، وبذات الوقت وفرت لهذا الطرب ارتقاء في الأداء مع الاحتفاظ بروح الأصالة وثوابتها.
اهتمامي بهذه المطربة يعود إلى صيف 2002، حيث استرعت انتباهي لأول مرة على فضائية (M2) المغربية بأدائها الرصين والقوي وبإطلالتها الجميلة خلال مشاركتها في مهرجان الموسيقى الروحية بفاس. فاحتفظت بالاسم وصاحبته ومن ثم سارعت إلى متابعة أخبار هذه الفنانة للتعرف على المزيد حول تجربتها، خاصة حين بدأت أشتغل على جمع وتحرير مادة هذا الكتاب.
صوت يطمح لإعادة بعث الحلم المفقود، أملا في صياغة جديدة لهذا الحلم، لتجاوز أخطاء الماضي، وعملا على تأسيس أندلس الغد، فردوس الوفاق والتسامح والتعايش. من أجل ذلك تركت فرانسواز مدينة مرسيليا كرد فعل على هجرة أبويها التي كانت هروبا من الهوية القاتلة، وانخرطت في رحلة الإياب نحو الجذور، لوصل ما انقطع من وشائج الصلة بتربة المنبت. "أنا مدينة كثيرا للمغرب"( ) تقول فرانسواز التي اختارت العيش بمراكش، المدينة المنفتحة على أكثر من أفق، بعدما نهلت من حياض فاس العالمة. إنها الرحلة التي أتاحت لشراعها أن يرسو في مرفإ الانطلاق، لترميم الذات وإعادة الحياة إلى رميم الذاكرة.
في رحلتها الفنية القصيرة أمدا، الغنية بالجهد وبالعطش إلى التحصيل، كانت فرانسواز قد أنجزت للتو تسجيلات خاصة بأغاني السيفاردبم الأندلسية على خلفية موسيقية مشغولة بمعزوفات وتنويعات على آلة العود، وهو المشروع الذي اشتغلت عليه بداية من 1995، حيث سرعان ما أعطت هذه الجهود ثمارها بحصولها عام 1998 على جائزة "Villa Medicis Hors les Murs".

ذات الوقت وبتنسيق مع أحد أشهر عازفي القيثارة في طرب الفلامنكو خوان كرمونا -Juan Carmona  -  وكذلك مع مجموعة جيل بينشوا- Gilles Binchois- انصب اهتمام فرانسواز على ثيمة الغناء في العصر الوسيط، وبالطبع فإن هذه الثيمة تحيل على التعاطي مع الموسيقى الأندلسية من بابها الواسع.
غير أن طموحها لم يقف بها عند هذا الحد، بأن تقتصر على الاهتمام الحصري بالشق العبري في تراث الموسيقى الأندلسية، بدل الاشتغال على المشروع في شموليته، فكان لابد من أن تعد العدة للنهوض بالمهمة وفق رؤيا متكاملة.

الحضور على واجهات متعددة ومخاطبة جمهور مختلف كان هاجسا رئيسيا بالنسبة لها. فظهور هذه المطربة إلى الجمهور الواسع في سهرات عمومية حية، سواء في المغرب وخارجه، في مهرجانات أو تظاهرات فنية وثقافية سرعان ما أكسبها شهرة عالمية، تمتد من الأندلس عبر أوروبا، ومن بلدان شمال أفريقيا إلى الولايات المتحدة ثم إلى اليابان.
لذلك فإن ما حققته فرانسواز أطلان في فترة وجيزة لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة عمل ممنهج ودؤوب، حرصت فيه على السير وفق خطين متوازيين، خط يتمثل في الانكباب على الجانب الإبداعي الصرف من المادة التي تشتغل عليها ، أما الجانب الثاني وهو دينامية البحث في أركيولوجيا هذه الموسيقى العالمة المتمثلة في الطرب الأندلسي بشكل عام وفي تطبيقاته المغربية على وجه التحديد، ومن ثم التوفيق بين الجانبين بهدف إعادة صياغة الذاكرة المشتركة التي انطفأت جذوتها وخبا نورها في عتمة الوحشة والاغتراب.
فمن البحث المعرفي الدؤوب في تضاريس موسيقى موغلة في القدم، حددت لها العصر الوسيط حيزا زمنيا، والمنقطة المتوسطية إطارا جغرافيا. ومن معانقتها للتراث الأندلسي تحقيقا وإنشادا وأداء، أيضا من الغوص في الذاكرة المنسية لأغاني الطفولة على ألسنة الجدات كمدخل لبعث أغاني السيفارديم بلهجة اللادينو( ). من هذه المنطلقات مجتمعة ينهض مشروع أندلسيات فرانسواز أطلان الذي يقوم على مساحة طموح لا تحده حواجز الزمان والمكان، لأنه يمتد عمقا في صلب تراث حضاري غني ومتعدد، بحاجة دائمة إلى إعادة بعث واكتشاف، وبالتالي فهو مشروع يتطلع إلى تجاوز تخوم الإقليمية بهدف كسر الحاجز النفسي الذي مصدره "فوبيا" الآخر، سعيا وراء مد جسور التواصل بين الثقافات.
كانت بوصلة البحث والتقصي قد قادت فرنسواز أطلان إلى كل من الأستاذ أحمد بيرو بوصفه أكبر وأقدم مرجع في مادة الطرب الغرناطي بالمغرب، ثم إلى الباحث المتخصص في التراث الموسيقي الأندلسي وتحديدا إسهام الطائفة اليهودية في هذا التراث، الأستاذ محمد الحداوي. من هنا كان طبيعيا في هذا السياق أن تفضي بها الطريق إلى سكة الأستاذ محمد بريول( ) مايسترو جوقة فاس للطرب الأندلسي، ووريث المرحوم عبد الكريم الرايس، وهو اللقاء الذي أثمر تنسيقا استمر لسنوات ثم ما لبث أن تمخض عن خروج هذه المطربة إلى فضاء الاتصال والتواصل من خلال المشاركة النوعية والمتميزة في حفلات مهرجان فاس للموسيقى الروحية، الذي ما فتئ يحظى باهتمام دولي متزايد وتتسابق إلى تغطيته العديد من المحطات الفضائية، ثم النجاح الذي حققته حفلتها بمعية جوقة فاس برئاسة الأستاذ محمد بريول في مدينة نيويورك، وهو ما مهد لإنجاز آخر لا يقل أهمية وتمثل في تسجيل منتخبات من طرب الآلة على أقراص مدمجة، في إطار مشروع أندلسيات.
العلاقة بين فرانسواز أطلان ورموز الطرب الأندلسي الذين سبق ذكرهم ولاسيما تعاونها مع الأستاذ محمد بريول، الذي أنفق ما لا يقل عن عشر سنوات في تدوين كامل نوبات طرب الآلة الأندلسية المغربية الإحدى عشر، هذه العلاقة هي في واقع الأمر إحياء لتقليد قديم ومتجذر في أوساط المهتمين بالموسيقى الأندلسية وتعيد إلى الأذهان الروابط بين موسيقيين مسلمين ويهود منذ وصول زرياب إلى الأندلس وحتى الوقت الراهن، كما تحيلنا على نماذج من هذا التعاون الذي تحدثت عنه مصادر وكتابات أكاديمية يهودية بنزاهة وموضوعية كبيرين، كما لم تفتني الإشارة إلى بعض أوجه هذا التعاون حسب السياق في العديد من موضوعات هذا الكتاب.

www
وهكذا يتواصل مشروع أندلسيات فرانسواز أطلان في بعديه الأفقي والعمودي، إنجازا و تأصيلا مع الأخذ بناصية الحداثة، وهو ما يتمثل في أجندة الحفلات التي تقيمها في العديد من دول العالم، بموازاة مع المشاركة في ملتقيات تهتم بالتراث الموسيقي المتوسطي كجزء من التراث الإنساني.
في حفلها الساهر بمدريد في خريف 2003 بمشاركة جوقة مدينة وجدة للطرب الغرناطي مع المطربة المغربية زبيدة الإدريسي، حملت فرانسواز إلى الإسبانيين فنا به عبق من روح الأرض، لأنه نشأ في تربتهم، وبلغ ذراه المشرقة ما بين قرطبة واشبيلية وغرناطة، أيام كانت الأندلس واحة للتعايش السمح بين الديانات الثلاث، فنا يمثل الوجه المضيء من المشترك الحضاري بينهم وبين الضفة الجنوبية. وبالمناسبة أود هنا أن أورد تصريحا أدلى به لوكالة الأنباء المغربية في أعقاب هذا الحفل السيد سيرج بيرديغو رئيس مجلس الطوائف اليهودية بالمغرب جاء فيه( ). "أن السهرة حققت نجاحا باهرا وخلفت انطباعا متميزا يؤكد طبيعة المغرب الذي يكتنفه الانفتاح والتسامح، كما أشار إلى أن الأغاني التي أدتها المطربتان من التراث الأندلسي سواء بالعربية أو العبرية، تجسد في حد ذاتها إيقاعا للسلم والتسامح وتقبل الآخر، والتعايش بين اليهود
والمسلمين".
في خريف نفس السنة وتكريسا للمسعى الذي رسمته لمسارها الفني، ولتعزيز الجسور التي تربط بين التراث المشترك، عُهد إلى فرانسواز أطلان بمعية الإسباني "خوسي كارلوس كاربوني" بمهمة الإدارة الفنية ل "كورال الثقافات الثلاث" بوصفه أحد فروع "مؤسسة الثقافات الثلاث" المؤسسة التي يقول عنها السيد "أندري أزولاي" مستشار العاهل المغربي محمد السادس وعضو مجلسها الإداري"( ) أن إنشاء الكورال بعد سبع سنوات من عمل المؤسسة التي جاءت بمبادرة مغربية، يدخل في سعيها إلى خلق فكر تقاربي بين الثقافات والديانات المختلفة. وأضاف "للأسف نحن في محيط أكثر تراجيدية، لكنه محيط لا يخلو من بوادر أمل في التوصل إلى سلام، ومضى قائلا إن الكورال الجديد هو "كورال الأمل والشباب والتكتل والانفتاح".
وبهذه المهمة تكون فرانسواز أطلان قد استكملت أدوات العمل المؤسسي لخدمة هذا التراث الإنساني النبيل في أفق تحقيق غاية أنبل وهي تسخير الإبداع الفني من أجل التفاهم والتكامل بين الشعوب والحضارات.

كتاب "اليهود في الغناء المغاربي والعربي"
محمد الصقلي

Repost 0
Published by Les Passeurs D'Arts - dans الأستاذ محمد الصقلي
commenter cet article
17 janvier 2010 7 17 /01 /janvier /2010 23:57

لا أدعي أنني ألم بالأسباب التي دفعتني لعقود زمنية إلى الاهتمام بالاسم وصاحبه، قد يعود ذلك ربما إلى أيام
الطفولة حيث كنت أعبر ساحة جامع الفنا في الطريق من المدرسة إلى البيت، فأسمع مطرب الساحة يردد بصوت شجي مبحوح: /بنت عربية وهازة القلة وهابطة للعين/ وبعد أن اشتغلت بالإذاعة سواء بالرباط أو مراكش تزايد اهتمامي بالموضوع، لكن بعد مغادرة المغرب وانتقالي لروما تمكنت أخيرا من العثور على التسجيل الكامل للأغنية التي يقول مطلعها: /من صغري نحوّص لبرور ، فالغربة عدّيت ايامي/ حتى قابلتني لالت لبدور، هي فني وهي غرامي/ يا ناس هملت وعملت الرحلة سفرت للبلدان/ درت الصحرا بلاد القبله مسكن العربان/ في طريقي قابلتني طفله تشبه لغصن البان/( ).
من الصعب تكوين فكرة حول وضع الموسيقى والغناء في تونس بشكل خاص والمغرب العربي بعامة، في مطلع القرن العشرين بدون التوقف عند الشيخ العفريت، بوصفه محطة رئيسية.
وأهمية هذا المطرب تكمن في كونه أبرز وجوه وأصوات الأغنية المعاصرة في بلدان المغرب العربي، وأنه الفنان الذي نقل إلى القرن العشرين ألوان التراث الغنائي الشعبي التي بدأت تعرف في تونس باسم "الفوندو". فالمعطيات التاريخية المتوفرة عن هذه الحقبة، تكاد تجمع على أن أصول الموسيقى التونسية العصرية ترجع إلى النوبة الأندلسية من جهة، وإلى "الشغل" و"البشرف" من جهة ثانية وهما من أصل تركي، وإلى "الزندلي" و"الفوندو" الذين تفرع عنهما الطرب الشعبي.
والفوندو هو غناء متفرع عن المالوف لكن لغته أقرب إلى شعر الملحون وتطبعها لهجة البدو. والمرجح أن للشيخ العفريت الفضل في تطوير ونشر هذا النوع الغنائي في تونس أولا ومن ثم عبر باقي الأقطار المغاربية، مرورا بمنطقتي صطيف والشاوية بالجزائر، ثم طرابلس والفزان في ليبيا، وصولا إلى مدن وحواضر المغرب، كما تجدر الإشارة إلى أنه كان جماعا ويملك حافظة قوية، كثير التردد على مدينة "الكاف" بالخصوص لينهل من حياض الشعر البدوي المغنى على ألسنة مشايخه، ليتشبع به ثم ليعيد صياغته وقولبته بأسلوبه الخاص.
وهناك اختلاف حول جذور هذا الطرب الشعبي الذي يعتبر الشيخ العفريت أحد أعلامه، وما إذا كان إدخاله إلى تونس تم على يد "أشير مجراحي"( ). أم بواسطة الفنان الليبي البشير فحيمة( ). غير أن تاريخ ميلاد هذا الأخير (1907/1971) لا يدعم هذا الطرح، إذ كيف بالشيخ العفريت المولود عام 1897 أن يتلقى أصول الفن الطرابلسي والفزاني على يد البشير فحيمة الذي لم ير النور إلا والشيخ العفريت يبلغ من العمر عامه العاشر. وأغلب الظن حسب بعض المصادر أن هذه الألوان الغنائية تم إدخالها إلى تونس بواسطة العازفين اليهوديين "موشي جبالي"، و"رحمينو بردعة" الذين نزحا بدورهما إلى تونس فرارا من الاحتلال الفاشي الإيطالي في ليبيا.
ولد عاشر أو "أشير روزيو" وهو اسمه الأصلي في تونس العاصمة عام 1897 لأب من أصل مغربي ينحدر من مدينة الصويرة، وأم من طرابلس الغرب. قضى طفولة شقية خاصة بعد هجرة والده عائدا إلى المغرب تاركا إياه رفقة أم عديمة الموارد وإخوة له غير أشقاء من الذكور والإناث. ولإعالة هؤلاء الأطفال كانت والدته تمتهن حرفا شتى منها لف خيوط الحرير، تحضير وبيع الحلويات، كما وجدت موردا إضافيا لكنه غير قار في العمل كمرددة ضمن جوقات نسائية في حفلات وأفراح عائلية خاصة وقد أثر عنها جمال الصوت وحسن الأداء( ).
"أشير" لم تطأ قدماه المدرسة قط، وخلال احترافه الفن كان يستعين بأبنائه وبناته في كتابة نصوص أغانيه بالحروف العبرية. اضطر للعمل في سن مبكر حيث مارس حرفة خباز في نهج سيدي بوحديد أو بيع الحلويات التي كانت تعدها أمه، قبل أن يشتغل أجيرا مكلفا بطحن القهوة في مهراس خشبي تقليدي. في هذه الفترة تملكه هاجس المغنى لحد الهوس الذي بدأ يطبع بعض تصرفاته. وبالفعل فقد بدأ يتحصل على بضعة قروش مقابل تقمصه لشخصية روميو بالوكالة عن بعض العشاق، وذلك بأداء مقاطع غنائية رومانسية تحت شرفات عشيقاتهم. وهكذا طفق الولد في مراهقته يدندن بصوت مسموع مرددا كل ما يصل إلى سمعه، واستمر على هذه الحال إلى أن تقدم إليه يوما أحد عشاق الموسيقى بعد الإعجاب بصوته فنصحه بأن يجرب حظه بالتوجه نحو صنعة الغناء. وهناك احتمال بأن يكون الشخص الذي نصحه بالتوجه إلى الموسيقى متطوعا بتلقينه أصول فن الغناء هو المسمى "سوسو ليفي" وهو فنان غير معروف، غير أن هذا الاحتمال ضعيف، بينما المرجح أن يكون أشير روزيو قد تلقى تكوينه على يد الفنان اليهودي الحافظ "ابريهم التبسي" الذي كان أحد أهم المراجع في نوبات المالوف، وكذلك في الأغاني الشعبية.
إنها ملامح من الجو العام الذي كان يحيط بهذا الفنان في صباه وطفولته، والتي يمكن إدراجها ضمن المؤشرات التي برزت في حياته بشكل مبكر وتدفع إلى الاعتقاد بأن الشاب "أشير" لم يكن أمامه خيار آخر غير تعاطي فن الغناء كحرفة له في المستقبل.
لقد كان لعامل الوراثة والبيئة الدور الحاسم في تحديد توجهه نحو الموسيقى ومهنة الطرب تحديدا، ففي سن الثامنة عشرة كان قد دشن خطوته الأولى نحو احتراف فن المغنى، وذلك بسبب اللون الجديد الذي اشتهر بأدائه ولفت إليه الانتباه، والذي يعود الفضل فيه لوالدته التي كانت بمثابة خزان للمرددات والأهازيج الشعبية الليبية التي كانت قبل ذلك محدودة الانتشار خارج منطقتها، إلى أن تأتى لها صوت قوي النبرة سرعان ما أطلق عليه أصدقاؤه لقب "عفريت" التي تعني في الاصطلاح المحلي حاذقا ماهرا وذلك إعجابا بموهبته، وهو الأصل في تسميته الشيخ العفريت التي ستلازمه مدى الحياة. غير أن الدكتور فاروق الشعبوني( ). يرجح أن هذه التسمية هي مما أطلقه المطرب على نفسه وأن أصلها كلمة Avrit التي تعني باللغة العبرية يهودي أو عبراني.
وهكذا فقد كان الظرف ملائما لسرعة انتشار أعمال الفنان الناشئ الذي وجد فيه الجمهور تلبية للحاجة الملحة إلى مطرب يستقطب إعجاب الخاصة والعامة، فكان طبيعيا أن تنهال عليه العروض من دورالأسطوانات حيث حققت أغانيه انتشارا واسعا في مجموع أقطار المغرب العربي، وهو ما أهله ليصبح نجم سهريات الثلاثاء في قصر حاكم تونس آنذاك "أحمد باي الثالث" بمنطقة حمام الليف، حيث بلغ به إعجابه بهذا المطرب أن قلده وسام الافتخار.
وهنا يطرح التساؤل التالي، لماذا تألق الشيخ العفريت تحديدا في فترة ما بين الحربين وصار نجم زمانه بدون منازع، دون أن يزاحمه في هذه المكانة مطرب غير يهودي؟ يقول فارق الشعبوني في كتابه عن الشيخ العفريت " إن الجواب الأقرب إلى الواقع هو أن الموسيقى في تونس ما قبل الحرب العالمية الثانية كانت أساسا من نصيب اليهود رجالا ونساء بسبب تحفظ أهل الحضر المسلمين واحتقار هؤلاء لمهنة الطرب".
ولتأكيد ما ذهب إليه هذا الباحث، نتبين من جهة أن الجوقة الخاصة للشيخ العفريت كانت تتكون حصريا من أمهر العازفين اليهود فقط، كما استعان حسب المصدر السالف الذكر، بكل من الراقصة "جولي مارسييز" والمطربة الشهيرة "لويزة"، ومن جهة ثانية وإذا ما اعتبرنا أعمال هذا الفنان خلاصة لما كان سائدا في عهده من نوبات وموشحات وعروبيات، وإلى جانب الأعمال التي تغنى بها من إبداعه لحنا وكلمات، نجد أن جميع أغانيه كانت من وضع فنانين وشعراء من أبناء طائفته هم على التوالي "موريس عطون، قسطون بصيري، موريس بن يعيش، أشير مجراحي وكليمان بصيري"( ). مع استثناء وحيد هو الشاعر والمطرب والمسرحي الجزائري محيي الدين باش ترزي الذي غنى الشيخ من كلماته مقطوعة "لاني على الواد مليان، ولاني عل القاطعينه".
كان آخر عهد هذا المطرب بالغناء في سهرة حية أمام الجمهور، خلال الحفل الذي أحياه في قصر الباي، صيف 1938، حيث ما لبث أن ظهرت عليه أعراض داء السل، وبعد عمر مليئ بالعطاء، اكتسب فيه الشهرة دون أن يحقق الثراء، فارق الشيخ العفريت الحياة فقيرا عام 1939 بأريانا في ضاحية تونس العاصمة، تاركا لذاكرة الأجيال ثروة غنائية تقدر بأزيد من 400 أغنية.
يعتبر الشيخ العفريت استنادا للعديد من المعطيات نجم الثلاثينات من القرن العشرين وهي الفترة التي تزامنت مع ظهور المذياع مما زاد في تعزيز شهرته وانتشاره، حيث ذاع صيته لدى عشاق فن المغنى في حواضر المغرب العربي وتجاوزت شهرته المنطقة، إلى الوسط الفني في مصر، ومما يؤكد هذا الطرح أن المطرب الفنان زكي مراد والد المطربة ليلى مراد ، حرص على مقابلته خلال زيارته لتونس.
ويجمع عدد من العارفين بالموسيقى التونسية في فترة ما بين الثلاثينات والخمسينات أن الشيخ العفريت بفضل ما كان يمتلكه من مؤهلات في مقدمتها أداؤه المتميز الخالي من تأثيرات الأنغام الشرقية، صوته التونسي الأصيل، القوي النبرة، يعتبر أحد رواد الأغنية المغاربية الذين حققوا مكانتهم الفنية بشكل لا مراء فيه، وأنه ثالث ثلاثة من أعلام الغناء في تونس، صليحة( ). معلمة الغناء الريفي، الطاهر غرسة( ). معلمة طرب المالوف، والشيخ العفريت معلمة الغناء البلدي.

محمد الصقلي
كتاب "اليهود في الغناء المغاربي والعربي""
Repost 0
Published by Les Passeurs D'Arts - dans الأستاذ محمد الصقلي
commenter cet article