
هــامــش*
قــد لا يــكــون لـهذا الإســم مــعــني دال، سوى أنه اشتقاق لغوي من جذر الشـغـف.. وبالفعل فقد كنا ونحن صغار شغوفين بالرجل وهو يـخـترق الحارات، أما شغفه الخاص فلا أحد يدرك مداه.. فقط كان أهالي المدينة يروون عنه جيلا بعد جيل، أنه جاء إلى دكان معلمه يوما وقال ، عفاك نقـص ليا كاع من ليجــاره غير خليني نغــني!!!
*****************

ما كل من غنى أطرب، وما كل من غنى أبدع فأمتع، لكن كل من غنى اغتنى لا محالة. ألم يقل الأصمعي: ما رأيت أسرق لجيوب الخليفة من الموصلي.
غير أن الفتى " المشغاف" كان استثناء. فالغناء كان السبب الرئيس في تفقيره. وفي موته المبكر.
كان سوق الحرارين ( نسبة إلى الحرير)، من الأماكن التي يكتنفها ظل وريف، خاصة أيام الصيف، وكانت أزهار ونباتات الحبق والجوري وشقائق النعمان أو "خدود لجوار" تلف أعمدته البالية المتآكلة التي تتسلقها أغصان اللبلاب مشرئبة نحو سقوف "الماموني" (قصب متشابك في شكل مربعات).
كان أغلب زبائن السوق من النسوة والصبايا اللواتي يمتهنن الخياطة والمشتغلات في حرف التطريز على القماش والجلد أو في أطواق اللباس وتزريره. يأتين لابتياع حاجياتهن من خيوط الحرير"الصابرة" وما يتفرع عنها من "السفيفة" و"الصارمة" و"العقاد" و"القيطان" و"الصقلي".
واحدة عينها في الخابوري والزبطي.
ـ وانا بغيت دم غزال، والطوبي والزرزخان.
ـ اعطني عنق حمام والزبيبي.
ـ حاجتي فالعكري مع المسكي، والشيبي مع القيقلان.
في غير ما جلبة، كانت هذه الألفاظ ذات الجرس، تأتي على ألسنة الزبونات من الصبايا وعبر أصواتهن وكأنها سيمفونية ملونة.
وسط هذه اللوحة كان الفتى المشغاف يدندن مشغولا عن العالم وهو جالس عند عتبة حانوت المعلم يدير الناعورة من حوله لتعبئة "البكارات" وكبسولات "القنوط".
كان الهدوء هو السمة الغالبة طول الوقت على أجواء هذا السوق، وكان معظم صناعه من المتقدمين في السن، فإذا بهذا الغلام يملأ عليهم الدنيا غناءً.
ـ آ يامنة غدرتيني في لامان/ آ يامنه فين العهد ما بان/.
ـ متعلمك عمل لينا الشقيقة في الراس.
استفحل الأمر وتمادى الولد في غيه ملعلعا بصوته بين جنبات المكان، تضاعفت شكاوي أهل السوق، فما كان من معلمه الشيخ إلا أن يذعن للأمر فقرر عزل الصبي، لكن الولد لم يحزن بل وجد في المغنى خير عزاء فهام على وجهه منشدا ومرددا، حرا طليقا عفيفا أليفا، أهازيجه تملأ الأسواق إلى أن بلغ والده خبر جنوحه.
لم يمض طويل وقت على النازلة حتى طرأ المشغاف مجددا على باب الدكان إياه مخاطبا صاحبه وهو يفرك يديه: آسيدنا الشيخ إن والدي يقرؤك السلام.
ـ آش جابك هنا ثاني يالمطيار.
ـ لألتمس منك العذر، وعفا الله عما سلف، وأتعهد لك” عفاك “لا تدفع بعد اليوم أجرتي بالكامل، لكن فقط دعني أغني كثّر الله خيرك

ـ آسر يا دعاوي البلا فاين تقضي حاجة لراسك، ما فيك طماره (الجدية)، هانتا أولدي ها السوق عطا الله الشبوق، أما أنا ما فيا ما نزيد كلفه، وهم على همي.
ـ باركة من الهم والغم/ كلها يكفيه اللي فيه/ هات لي من عندك معنى/ يكون فيها سر المغنى/ وفدني، صاحب الرجاحة مازال يبان/
هل هذا يا ناس شيء يصدق؟
أليست هذه الصورة شبيهة بما حصل يوم اجتمع أهل بغداد فقصدوا الشيخ الجنيد يشكون إليه تلميذه الحلاج: "اعلم أن مريدك حسين قد أتعبنا وهو يشطح ويتكلم كلاما لم يدخل في العقل ولا في البال، وقد شغلنا عن بيعنا وشرانا فنسألك أن ترده عنا".
كان جواب الحلاج على تحذير شيخه من مغبة التعرض للتعذيب على أيدي هؤلاء: "إن التعذيب يطيب في رضى الحبيب".
كان الحلاج يحلج الصوف أما المشغاف فقد اشتغل في حلج الحرير، الأول انجذب إلى الملكوت الأعلى وراء عشقه الإلهي، والثاني قتله حب الغناء بعد أن عثر عليه جثة في أحد حمامات المدينة.
بسحنة الناسك التي تعرفها زقاقات المدينة، كان يسير مطمئن الخطو في غير ريث ولا عجل، متلفعا قشابة صوف أدكن، تنتهي تحت الركبتين. قامة أقرب إلى القصر، قليل شعر الرأس، مستدير الوجه، تعلوه سمرة بلون التمر، يهز رأسه كما لو يصيخ السمع لموال داخلي، يدندن بكلام مهموس حتى إذا استرعى نظره وجه صبوح صدح بصوت مرخم "عيون وحجبان صباغة الرحمان".
ألم يكن الوحيد من بين جمهرة أهل الغناء، قنع بالريح ثمنا وبالعراء سكنا، وجد نفسه خُلق ليملأ الدنيا غناء ولو على حساب قوت يومه، لينفق سنوات عمره القصير مستسلما لهذا الموال الذي استبد به يقضي سحابة حياته زاهداً متنقلا بين أسواق المدينة وحاراتها مرتلا أهازيجه التي أصبح الأولاد يرددونها معه كلما رأوه. إنه شهيد الغناء.
رواية الساحة
محمد الصقلي